مجد الدين ابن الأثير

159

المختار من مناقب الأخيار

وقال زهير : كان يزيد الرّقاشيّ قد بكى حتى تناثرت أشفاره ، وأحرقت الدّموع مجاريها من وجهه « 1 » . وقال سلمة بن سعيد : قالوا ليزيد الرّقاشيّ : أما تسأم من كثرة البكاء ؟ فبكى وقال : واللّه لوددت أنّي أبكي بعد الدّموع الدّماء ، وبعد الدماء الصّديد . وكان يقول : ابك يا يزيد على نفسك قبل حين البكاء . يا يزيد ، من يصلّي لك بعدك ؟ أو من يصوم ؟ يا يزيد ، من يضرع لك إلى ربّك بعدك ؟ ومن يدعو « 2 » ؟ وكان يقول : يا إخوتاه ، ابكوا ، فإن لم تجدوا بكاء فارحموا كلّ بكّاء « 3 » . وقال : إنّ المتجوّعين للّه تعالى في الرّعيل الأول يوم القيامة « 4 » . وقال : خذوا الكلمة ممّن قالها ولم يعمل بها ؛ فإنّ اللّه تعالى يقول : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 18 ] « 4 » . وقال أبو القاسم المذكّر : دخل يزيد الرّقاشيّ على عمر بن عبد العزيز ، فقال له : عظني . فقال له : أنت أوّل خليفة يموت يا أمير المؤمنين . قال : زدني . قال : لم يبق أحد من آبائك من لدن آدم إلى أن بلغت النّوبة إليك إلّا قد ذاق الموت . قال : زدني . قال : ليس بين الجنّة والنار منزل ، واللّه يقول : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار : 13 ، 14 ] ، وأنت أبصر ببرّك وفجورك . فبكى عمر حتى سقط عن سريره « 5 » .

--> ( 1 ) صفة الصفوة 3 / 290 . ( 2 ) صفة الصفوة 3 / 290 ، وهو بنحوه في حلية الأولياء 3 / 51 . ( 3 ) صفة الصفوة 3 / 290 . ( 4 ) حلية الأولياء 3 / 51 . ( 5 ) تهذيب الكمال 32 / 76 .